منوعات

من وزارة الصحة إلى 13 ألف وظيفة: هل بدأت إعادة هيكلة واسعة للقطاع العام في لبنان؟

تصدّرت كلمة «وظيفة» عمليات البحث الرائجة في لبنان خلال الساعات الماضية، مسجلة أكثر من ألفي عملية بحث وفق Google Trends ، في توقيت يتزامن مع فتح واحد من أكثر ملفات الإدارة اللبنانية حساسية: إلغاء وظائف من ملاكات الدولة وإعادة هيكلة القطاع العام.

القضية بدأت من وزارة الصحة العامة، لكنها لا تبدو محصورة بها. فالمعطيات المتوافرة حول خطط إصلاح الإدارة تشير إلى ملف أكبر بكثير، يتضمن احتمال إلغاء أكثر من 12 إلى 13 ألف وظيفة على مستوى الدولة، بعدما خلصت دراسات مرتبطة بمجلس الخدمة المدنية إلى وجود وظائف لم تعد الحاجة الإدارية إليها قائمة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية ما يجري: لبنان لا يقف أمام تعديل محدود في ملاك وزارة واحدة فقط، بل أمام نقاش محتمل حول إعادة رسم هيكل الإدارة العامة بكاملها.

البداية من وزارة الصحة

في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026، وافق مجلس الوزراء اللبناني على مشروع مرسوم يقضي بإلغاء عدد من الوظائف في ملاك وزارة الصحة العامة، في خطوة وضعتها الحكومة ضمن الإجراءات الإصلاحية المتعلقة بالقطاع الصحي.

إلا أن المعلومات الرسمية المعلنة لم تتضمن حتى الآن تفاصيل كاملة حول عدد الوظائف التي يشملها المشروع، ومسمياتها، وما إذا كانت جميعها شاغرة أو أن بعضها مشغول.

وهذه النقطة أساسية، لأن إلغاء وظيفة من الملاك لا يعني تلقائياً صرف الموظف الذي يشغلها.

فالوظائف الحكومية يمكن أن تكون موجودة قانونياً في هيكل الإدارة، لكنها شاغرة منذ سنوات أو لم تعد تتناسب مع طبيعة العمل الحالية. وبالتالي، فإن الحديث عن إلغاء وظائف يجب ألا يتحول إلى حديث عن تسريح جماعي للموظفين ما لم تصدر قرارات رسمية بهذا المعنى.

لكن ما يجعل قرار وزارة الصحة مهماً هو أنه يأتي في سياق أوسع بكثير.

12 إلى 13 ألف وظيفة قد تُلغى

المعطى الأبرز في ملف إصلاح الإدارة العامة يتمثل في أن الدراسات المرتبطة بمجلس الخدمة المدنية تحدثت عن إمكان إلغاء أكثر من 12 إلى 13 ألف وظيفة من ملاكات الدولة بسبب انتفاء الحاجة إليها أو عدم وجود مبرر إداري لاستمرارها بالشكل الحالي.

وهذا الرقم يغير طبيعة القضية بالكامل.

فالمسألة لم تعد تتعلق ببضع وظائف في وزارة الصحة، وإنما باحتمال تنفيذ واحدة من أكبر عمليات إعادة النظر في هيكل الوظيفة العامة في لبنان منذ سنوات.

لكن الرقم يحتاج أيضاً إلى تفسير دقيق.

إلغاء 13 ألف وظيفة من الملاكات لا يعني صرف 13 ألف موظف. جزء كبير من هذه الوظائف قد يكون شاغراً أصلاً، وبعضها قد يعود إلى هياكل إدارية قديمة لم تعد متناسبة مع طريقة عمل الدولة الحديثة.

لذلك فإن القضية الأساسية ليست عدد الموظفين الذين ستنتهي خدماتهم، وإنما عدد الوظائف الموجودة قانونياً على الورق والتي ترى الجهات المختصة أن الإدارة لم تعد بحاجة إليها.

دولة تعاني الشغور وتدرس إلغاء الوظائف

المفارقة الأكبر أن لبنان يعاني أصلاً من نسب شغور هائلة داخل القطاع العام.

وتشير أرقام مجلس الخدمة المدنية إلى أن نسبة الشغور في الإدارات العامة تصل إلى نحو 74.65 في المئة.

أما عدد الوظائف المشغولة فعلياً، فتراجع من حوالى 8,175 وظيفة في عام 2022 إلى نحو 7,102 وظائف في عام 2025.

أي أن عدد الوظائف المشغولة انخفض بنحو 1,073 وظيفة خلال ثلاث سنوات فقط.

وفي بعض الفئات الوظيفية ترتفع نسبة الشغور إلى مستويات استثنائية، حيث تصل في الفئة الخامسة إلى أكثر من 94 في المئة.

وهنا يظهر السؤال الطبيعي:

كيف يمكن لدولة تعاني نقصاً حاداً في الموظفين أن تلغي في الوقت نفسه آلاف الوظائف؟

الجواب يكمن في الفرق بين «عدد الوظائف» و«نوع الوظائف».

قد تكون هناك آلاف الوظائف الشاغرة التي لم تعد الدولة بحاجة إليها، في الوقت الذي تعاني فيه نقصاً حاداً في اختصاصات أخرى مثل التكنولوجيا، الرقمنة، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، الإدارة المالية الحديثة وغيرها.

ومن هنا تأتي فكرة إعادة الهيكلة بدل الاكتفاء بتعبئة الشواغر الموجودة.

ليست عملية تقليص فقط

الإصلاح المطروح للقطاع العام لا يقوم، وفق التصورات المعلنة سابقاً، على حذف الوظائف فقط.

الهدف الأوسع هو إعادة النظر في:

  • الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة.
  • الوحدات الإدارية التي يمكن دمجها.
  • الهيئات التي لم تعد هناك حاجة لاستمرارها بالشكل الحالي.
  • الوظائف التي أصبحت مهامها قديمة أو مكررة.
  • الاختصاصات الجديدة التي تحتاج إليها الدولة.
  • توزيع الموظفين بين الإدارات.
  • حجم الملاكات مقارنة بالحاجة الفعلية.

وبالتالي، قد يجري إلغاء آلاف الوظائف القديمة بالتوازي مع استحداث وظائف مختلفة يحتاج إليها القطاع العام الحديث.

وهذا التحول، إذا نُفذ فعلياً، سيكون أقرب إلى إعادة بناء هيكل الإدارة اللبنانية منه إلى مجرد عملية تقشف وظيفي.

الشغور لا يقتصر على الوزارات

المشكلة تمتد أيضاً إلى المؤسسات العامة والبلديات.

فالمعطيات المتعلقة بإصلاح القطاع العام تشير إلى أن نسبة الشغور في المؤسسات العامة تبلغ نحو 58.43 في المئة، فيما ترتفع في البلديات إلى حوالى 83 في المئة.

هذه الأرقام تكشف حجم الاختلال في النظام الإداري.

هناك إدارات تعاني نقصاً كبيراً في الموظفين، وفي المقابل توجد على الورق آلاف الوظائف التي قد لا تكون هناك حاجة فعلية إليها.

وهو ما يدفع نحو الانتقال من مفهوم «ملء الشواغر» إلى مفهوم مختلف تماماً: تحديد الوظائف التي تحتاج إليها الدولة أولاً، ثم التوظيف على أساس هذه الحاجة.

عامل التقاعد يضغط أيضاً

الأزمة مرشحة للتوسع خلال السنوات المقبلة مع بلوغ آلاف الموظفين سن التقاعد.

وهذا يعني أن عدد العاملين داخل الإدارة سيواصل الانخفاض إذا لم تعتمد الحكومة سياسة واضحة للتوظيف والإحلال.

لكن إعادة توظيف العدد نفسه في الوظائف نفسها ليست بالضرورة الحل.

فالفرصة التي تحاول الجهات الإصلاحية استغلالها هي إعادة النظر في الهيكل بكامله: عندما يتقاعد موظف من وظيفة لم تعد ضرورية، لا يتم بالضرورة تعيين شخص جديد مكانه، بل يمكن إلغاء الوظيفة أو تحويل الموارد إلى اختصاص آخر تحتاج إليه الإدارة.

لماذا وزارة الصحة أولاً؟

قرار الحكومة الأخير جعل وزارة الصحة في مقدمة هذا المسار.

لكن حتى الآن، لا تزال هناك أسئلة تحتاج إلى إجابات رسمية واضحة:

ما عدد الوظائف التي سيجري إلغاؤها في الوزارة؟

ما مسمياتها؟

هل هي وظائف شاغرة بالكامل؟

هل يوجد موظفون حاليون يشغلون بعضها؟

هل ستستحدث الوزارة وظائف جديدة بديلة؟

وما المعايير التي استخدمت لتحديد أن هذه الوظائف لم تعد ضرورية؟

نشر هذه التفاصيل سيكون ضرورياً لتحديد الأثر الحقيقي للقرار، خصوصاً في قطاع حساس مثل الصحة.

ماذا يعني رقم 13 ألف وظيفة؟

الرقم هو أهم جزء في القضية، لكنه أيضاً الأكثر قابلية لسوء التفسير.

الحديث عن إمكانية إلغاء 12 إلى 13 ألف وظيفة يعني إعادة النظر في آلاف المواقع المدرجة قانونياً ضمن ملاكات الدولة، وليس إعلاناً حكومياً عن تسريح العدد نفسه من الموظفين.

وهذا التفريق ضروري تحريرياً.

فإذا كانت غالبية هذه الوظائف شاغرة، فإن التأثير المباشر على الموظفين الحاليين قد يكون محدوداً، بينما سيكون التأثير الحقيقي على شكل الإدارة مستقبلاً وعلى مسابقات التوظيف الجديدة.

أما إذا شملت العملية وظائف مشغولة، فسيصبح الملف أكثر تعقيداً وسيتطلب معرفة الآليات القانونية التي ستعتمدها الحكومة للتعامل مع الموظفين المعنيين.

وحتى الآن، لا توجد معلومات رسمية تسمح بالقول إن آلاف الموظفين سيُصرفون.

لماذا يبحث اللبنانيون عن «وظيفة»؟

تصدر كلمة «وظيفة» Google Trends في لبنان بالتزامن مع هذه التطورات لا يثبت وحده أن جميع عمليات البحث مرتبطة بقرارات الحكومة.

لكن التوقيت يجعل الملف جديراً بالمتابعة، خصوصاً في بلد تمثل فيه الوظيفة العامة تاريخياً مصدراً رئيسياً للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لفئات واسعة من المواطنين.

كما أن أي تغيير في هيكل الدولة سينعكس مستقبلاً على مسابقات مجلس الخدمة المدنية وفرص التوظيف ونوعية الاختصاصات المطلوبة.

فإذا انتقلت الحكومة فعلاً نحو إعادة هيكلة واسعة، فقد نشهد خلال السنوات المقبلة تحولاً من وظائف الإدارة التقليدية إلى وظائف أكثر تخصصاً ترتبط بالرقمنة والتكنولوجيا والرقابة والإدارة الحديثة.

وزارة الصحة قد تكون البداية فقط

المؤشر الأهم الآن ليس عدد الوظائف التي ستُلغى في وزارة الصحة وحدها، بل معرفة ما إذا كانت الحكومة ستطبق المنهج نفسه على باقي الوزارات والمؤسسات.

إذا بدأت كل وزارة بمراجعة ملاكها وتحديد الوظائف غير الضرورية، فإن رقم 12 إلى 13 ألف وظيفة قد يتحول من تقدير إصلاحي إلى برنامج حكومي فعلي.

وعندها سيصبح لبنان أمام عملية تغيير كبيرة في القطاع العام تشمل إلغاء وظائف، دمج إدارات، تحديث اختصاصات وربما استحداث وظائف جديدة.

لهذا فإن السؤال الذي يجب مراقبته خلال المرحلة المقبلة ليس:

هل ستلغي وزارة الصحة عدداً من الوظائف؟

بل:

هل دشّن قرار وزارة الصحة فعلياً عملية إعادة هيكلة قد تنتهي بحذف ما يصل إلى 13 ألف وظيفة من ملاكات الدولة اللبنانية؟

الإجابة النهائية تحتاج إلى المراسيم التفصيلية والقرارات التي ستصدر عن الحكومة والجهات المختصة.

أما المؤكد حتى الآن فهو أن ملف الوظيفة العامة دخل مرحلة جديدة، وأن رقم 12 إلى 13 ألف وظيفة يجعل ما يجري أبعد بكثير من تعديل إداري محدود داخل وزارة واحدة.

من وزارة الصحة إلى 13 ألف وظيفة: هل بدأت إعادة هيكلة واسعة للقطاع العام في لبنان؟

khabar3ajeldubai.com — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى