فرانكو فونتانا: رائد التصوير الملون مع أكثر من 400 معرض شخصي
بيروت | السبت 29 أغسطس/آب 2026 |
وفاة أحد رواد التصوير الملون
توفي المصور الإيطالي فرانكو فونتانا عن عمر 92 عاماً، وفق ما نقلته وسائل إعلام إيطالية السبت. فونتانا اشتهر بقدرته على تحويل الحقول والشواطئ والمدن إلى تركيبات بصرية تعتمد على اللون والخطوط والظلال، في وقت كان التصوير الفني الجاد ما يزال يميل بقوة إلى الأبيض والأسود. مسيرته الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي جعلته أحد الأسماء التي ساهمت في منح اللون مكانة مستقلة داخل التصوير الفني، لا مجرد إضافة واقعية إلى المشهد.
اللون كموضوع لا كزينة
في صور فونتانا، لا يظهر اللون بوصفه نتيجة طبيعية للواقع فقط، بل يصبح المادة الرئيسية للصورة. حقل أخضر قد يتحول إلى مساحة هندسية، وسماء زرقاء إلى كتلة لونية، وشجرة وحيدة إلى نقطة توازن بين أسطح متباينة. هذا الأسلوب قرب أعماله من التجريد ومن لوحات فنانين مثل مارك روثكو. كان يرى أن مهمة التصوير ليست نسخ الواقع بل تفسيره، ولذلك استخدم الكاميرا لاختيار أجزاء من العالم وإعادة تنظيمها بصرياً.
بدايات في زمن الأبيض والأسود
بدأ فونتانا التصوير بصورة جدية في الستينيات، وهي فترة كان فيها عدد كبير من النقاد والمؤسسات يعتبر الأبيض والأسود أكثر ملاءمة للفن الوثائقي والتجريدي. استخدامه ألواناً قوية ومشبعة كان خروجاً عن السائد. مع مرور الوقت أثبتت أعماله أن اللون يستطيع أن يحمل فكرة وبنية لا تقل عن الخط والضوء. التحول التقني في الأفلام الملونة والطباعة ساعده، لكن تميزه جاء من رؤيته في الاختزال أكثر من اعتماده على التقنية وحدها.
ريف إيطاليا يتحول إلى تجريد
من أشهر صوره مناظر في جنوب إيطاليا تظهر فيها التلال والحقول كشرائط لونية متوازية، أحياناً مع شجرة واحدة أو غيمة صغيرة. المشهد الحقيقي موجود، لكنه يفقد تفاصيله التقليدية ويتحول إلى علاقة بين مساحات. هذا الأسلوب جعل المتلقي يتساءل أين ينتهي التصوير ويبدأ الرسم. قوة الصورة تأتي من أن العناصر ليست مصنوعة رقمياً؛ هي موجودة في الواقع لكن المصور وجد زاوية وتوقيتاً واقتصاصاً يحولها إلى بنية جديدة.
المدينة أيضاً مادة هندسية
لم يقتصر فونتانا على الطبيعة. في المدن الإيطالية والأميركية ركز على الجدران والسيارات والظلال والخطوط المعمارية، محولاً التفاصيل اليومية إلى أشكال تجريدية. سيارة متوقفة قد تظهر ككتلة لون أمام جدار، وظل إنسان قد يصبح العنصر الوحيد الذي يثبت وجود الحياة داخل تكوين هندسي. هذه النظرة أثرت في أجيال من مصوري الشارع والعمارة الذين تعلموا أن المدينة ليست موضوعاً وثائقياً فقط، بل مخزون من العلاقات البصرية.

أكثر من 400 معرض فردي
خلال مسيرته أقام فونتانا أكثر من 400 معرض شخصي، وعُرضت أعماله في أكثر من 50 متحفاً حول العالم. كما عمل في الأزياء والإعلان، ما وسع تأثيره خارج دوائر التصوير الفني. وجوده في المجالات التجارية لم يلغ هويته، بل ساهم في نقل لغته اللونية إلى تصميمات وحملات بصرية. في 2024 و2025 استضافت روما معرضاً استعادياً كبيراً ضم أكثر من 200 صورة، ما أكد استمرار الاهتمام بأعماله حتى أواخر حياته.
مودينا بقيت مركز حياته
وُلد فونتانا في مودينا عام 1933 وبقي مرتبطاً بمدينته طوال حياته، حتى أنه رفض عرضاً للانتقال إلى نيويورك أثناء عمله مع Vogue America. هذه العلاقة بالمكان مثيرة للاهتمام لأن أعماله تبدو عالمية في لغتها، لكن جذورها بقيت في مراقبة الضوء والألوان الإيطالية. ترك المدرسة مبكراً وبدأ اهتمامه بالتصوير خلال الخدمة العسكرية، ثم طور تجربته كهاو قبل أن تتحول إلى مهنة دولية.
تأثيره في عصر الهاتف
اليوم يستطيع أي هاتف ذكي زيادة التشبع والحدة بنقرة واحدة، لكن هذا لا يلغي درس فونتانا؛ القوة ليست في جعل اللون أكثر صخباً بل في اختيار علاقة الألوان داخل الإطار. آلاف الصور اليومية تستخدم الفلاتر، لكن القليل منها يملك بنية قابلة للتذكر. أعماله تذكر بأن الاقتصاد في العناصر يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من ازدحام الصورة، وأن القرار الفني يبدأ قبل الضغط على زر الالتقاط، من زاوية الوقوف وما الذي يتركه المصور خارج الإطار.
بين التوثيق والتفسير
قول فونتانا إن التصوير يجب أن يفسر الواقع لا أن يوثقه يختصر خلافاً قديماً في تاريخ الوسيط. الكاميرا تستطيع أن تسجل حدثاً صحفياً بدقة، لكنها تستطيع أيضاً أن تنتج رؤية شخصية مثل الرسم. أعماله تنتمي بوضوح إلى المسار الثاني، لكنها بقيت مرتبطة بالعالم الحقيقي. هذه الموازنة هي ما جعل صوره مفهومة لجمهور واسع: المشاهد يتعرف إلى حقل أو جدار أو شاطئ، ثم يكتشف أنه ينظر إلى شيء مختلف عن الصورة السياحية المعتادة.
إرث بصري طويل
رحيل فونتانا يغلق مسيرة امتدت أكثر من ستة عقود، لكن أثره حاضر في التصوير المعاصر والإعلان وتصميم الألوان وحتى الصور التي تنتشر على الشبكات الاجتماعية. أهميته لا تأتي من أنه استخدم ألواناً قوية فقط، بل من أنه أثبت أن المشهد العادي يمكن أن يتحول إلى لغة هندسية كاملة إذا تغيرت طريقة النظر. إرثه يقدم درساً بسيطاً للمصور: قبل البحث عن موضوع استثنائي، تعلم كيف ترى العلاقات الاستثنائية داخل الأشياء اليومية.




